کد مطلب : 7470
02 اسفند 1399 - 08:34
تعداد بازدید : 21 بار
اخبار » اخبار وسط

يُعدُّ انتشار مهنة الوِراقة في أيّة مدينة دليلًا على مستوى الحركة العلميّة في مدارسها, وعمق الدراسات العلميّة فيها, فهي أداةٌ نستطيع منها بناء معياريّة حقيقيّة عن ذلك, لذا ومن أجل هذه الأهميّة قُمنا بالكتابة عن مهنة الوِراقة في كربلاء ومدى انتشارها, وحاولنا التأصيل لها راجعين إلى بعض الأصول المخطوطة التي كان فيها إفادة في إيضاح هذا, فضلًا عن مجموعة من المقتنيات التي كانت تمثّل عُدّة النَّسخِ والتَّصحيف للكتب, ومجموعة صناعة الأحبار, فأولى إشارات انتشار مهنة الوِراقة في كربلاء تعود إلى القرن الثامن للهجرة, وهذا يناسب تمامًا ظهور مدرسة كربلاء العلميّة, واستمرت الوِراقة في الانتشار حتى ذروة النهضة الفكريّة في كربلاء بواكير القرن الحادي عشر للهجرة لتدوم قرابة أربعة قرون بعد ذاك, فكثر النَّسخُ وبيع الكتب في المدينة حتى تصدّرت المدن مع بغداد والنجف.  

ومع انعدام المعلومات في المظان المطبوعة عن هذا الفن في كربلاء, اعتمدنا على المخطوطات وفهارسها مصدرًا رئيسًا استقينا منه المعلومات, فضلًا عن خبراء مركز ترميم المخطوطات وقسم الزخرفة التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العبّاسيّة المشـرّفة, ولا سيّما فيما يتعلق الأمر بالورق, وأدوات الكتابة, وصناعة الحبر, وفن الخط والزخرفة, فبدأنا الحديث عن الوِراقة والورّاقين عمومًا وفي كربلاء خصوصًا, ثمّ عمل الورّاقين وفن الكـتابة وأدواتها.

إنّ انتشار الوِراقة دليل ازدهار ثقافة البلد وتقدّمه علميًّا, وهذا لا ينطبق على بغداد وحدها بل عمَّ كلَّ المدن, وكربلاء واحدة من تلك, فالوِراقة كانت صنعةً برع فيها مجموعة من الناس, وجعلوها مصدر عيشهم, فمارسوا النَّسخ وبيع الكتب, أو أنّهم من كبار الفقهاء والعلماء أو من طلبتهم, وهم في ذلك كانوا في ثلاثة أحوال, إمّا عالمٌ نسخ رغبةً –من غير تأليفه– أو طلبًا للرزق والمعاش, أو هو من الطلّاب عمل في الوِراقة لحاجة, أو أنّه من متوّسطي العلم امتهن الوِراقة واختصَّ بها, وأصناف هؤلاء في كربلاء كثُر, والتمييز بينهم ليس من المستصعب, فنسخ الكتب الخطيّة المكتوبة بأيديهم تدلُّ على صنف الكاتب, ففي كربلاء ميّزنا إمّا بالشهرة أو العودة لترجمة في المظان أو نوع الصنعة وفنّها ودرجة الإتقان وجودة الزخرفة والتصحيف, لأنَّ العالم أو الطالب لا يزخرف, أو إنّك تجد في الحواشي التعليقات والبلاغات والتوقفات, وهذا ليس من عمل الناسخ أو الورّاق, فضلًا عن إشارات المخطوط نفسه, فلا مصدرية تدلّ على وراقيها, ولا ذكر أيضًا لدكاكينهم وحوانيتهم وأسواقهم ومادة وراقتهم وكيفية القيام بصنعتهم.

       وممّن بزغ نجمه من الحائريّين وكان من أساطين العلم السيّد فخار بن معد بن فخار(ت630هـ) أخذ دروسه في الحلّة عن شيخه ابن إدريس الحلّي(ت598هـ) ونبغ فيها, وقعد للدرس في كربلاء وغيرها, ومن مصنّفاته((الرَّد على الذاهب إلى تكفير أبي طالب)), وكذا ولده السيّد عبد الحميد بن فخار(ت650هـ), وغيره كثُر, كلّهم دليل على الحركة الفكريّة والعلميّة, وهذا المستوى أخذ يتعالى في كربلاء إبان هذه الحقبة ليصل ذروته لاحقًا.

ومع إشارات المخطوطات الكربلائيّة لأسماء ورّاقيها ونسّاخها, أو أسماء وردت في كتب الفهارس مثل كتاب الذريعة لأغا بزرك تظل بعض من تلك الأسماء صعبة التحديد, فربّما تكون لطلّاب مغمورين نسخوا لأنفسهم لنيل إجازةٍ في كربلاء, فهذا يحتاج أنْ نطَّلع على كلِّ التراث الكربلائيّ لنصل إلى اليقين, فلم نجد نصَّا واحدًا يتحدّث عن سوقٍ للورّاقين في كربلاء بحدود القرن التاسع للهجرة وما تلاه, مع كثرة ما نُسخ فيها من كتب, ومخطوطاتها منتشـرة في العراق وإيران وتركيا في الوقت الحاضر, إلّا إشارة لورّاقين تاجروا بالكتب, وتحديدًا في القرن الثالث عشـر والرابع عشـر للهجرة.

ومع دلالة اشتهار الوِراقة في كربلاء – بدليل عدد هذه المخطوطات وناسخيها– إلّا أنَّ البتَّ بأمر سوقهم ظلّ عصيًّا علينا, فالوصول إلى إقرار سوق الورّاقين يتطلبُ مراجعة جميع المخطوطات, ولا سيّما الأقدم منها, وهذا ما لم يُتح لنا, لعلّ في تلك المخطوطات ما فيه ذكر لحوانيت أو سوق لورّاقين كربلائيّين, إذا كان الحديث عن دكاكين قلائل متفرقة حول الأضرحة, لم تنتظم في سوق كما هو حال أهل الأصناف في الأسواق الإسلاميّة.

       وأوّل الورّاقين ذِكرًا في كربلاء هو الورّاق حسن بن يوسف بن محمّد الحائريّ الحلّي(ت ق8هـ) ذكرته فهارس المخطوطات أنّه نسخ كتاب(آيات الأحكام) لسعيد بن هِبة الله قطب الراونديّ(573هـ), وتاريخ نسخ هذا الكتاب يعود ليوم الثلاثاء26 شوال سنة759هـ كتبه في الحلّة, والنسخة محفوظة في قُم/مكتبة المرعشيّ تحت رقم (ش:1750), والورّاق زين العابدين بن شرف الدين بن حسن بن طوعان الحائريّ حسن المازنيّ, نسخ كتاب(المهذب البارع) للشيخ أحمد بن فهد الحلّي(ت841هـ) سنة908هـ, ونسخة هذا المخطوط موجودة في مكتبة الكلبايكانيّ بقُم تحت رقم (6/32-6096), ومن هذه النسخ صورة طبق الأصل في مكتبة ودار مخطوطات العتبة العبّاسيّة المشرّفة, ومن الورّاقين أحمد بن علي الحائريّ الذي نسخ سنة 999هـ إجازة العلّامة الحلّي الحسن بن يوسف(ت726هـ) للسيّد مهنّا بن سنان العلويّ, ومخطوط الإجازة في المكتبة الرضويّة بمشهد تحت رقم (ش/ض2822).

       وفي بدايات القرن الحادي عشر يظهر اسم الورّاق فضل علي ابن الكربلائيّ عوض التبريزيّ الذي نسخ كتاب(الاستبصار) للشيخ الطوسيّ(ت460هـ) سنة1007هـ, ونسخة المخطوط محفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإيراني تحت رقم (ش/9689), وهكذا الورّاق عبد الرضا بن حسن كربلائيّ له بخط يده كتاب مؤرخ في سنة1022هـ, والورّاق عبد النّبي بن محمّد الكربلائيّ الذي نسخ في19 رجب سنة1041هـ كتاب(أخلاق ناصري) لنصير الدين الطوسيّ(ت672هـ) ونسخة المخطوط موجودة في مكتبة كلّية الحقوق/ جامعة طهران, تحت رقم (ش/14-د), والورّاق مكّي بن شرف الدين الكربلائيّ الذي نسخ كتاب(الاثنى عشـريّة في الصلاة اليوميّة) للشيخ البهائيّ محمّد بن حسين(ت1030هـ) بتاريخ 1042هـ, والورّاق محمّد باقر ابن الكربلائيّ كريم الذي نسخ كتاب( شرح ألفية ابن مالك) لعبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل(ت769هـ) وتاريخ نسخها يعود لسنة 1087هـ, ونسخة المخطوط محفوظة في مكتبة أمير المؤمنين للشيخ الأميني تحت رقم (0و14/5/177 جناح الجزائريّ).

       وأشهر وراقي كربلاء ذكرًا علي بن الحسين الكربلائيّ نسخ كتبًا كثيرةً, وأقدم نسخة اختطّها كانت مؤرخة في رجب سنة1096هـ, وهي كتاب(تحفة الغريب) لبدر الدين محمّد بن أبي الدمايمني(ت827) وهذه المخطوطة محفوظة في المكتبة الوطنيّة النمساويّة تحت رقم(434 رمز حفظ 880 Mixt هيبلن 2452), ومن ورّاقي القرن12هـ الورّاق علي أصغر ابن الكربلائيّ, له في مكتبة ودار المخطوطات العتبة العبّاسيّة كتابٌ نسخه بخط يَده عنوانه(شوارق الإلهام) لعبد الرزاق بن علي الفيّاض اللاهيجيّ(ت1072هـ) محفوظ تحت رقم (747), والورّاق محمّد بن الكربلائيّ نسخ سنة 1125هـ الحديث القدسيّ المنتَخب من التوراة, والنسخة موجودة في مكتبة أمير المؤمنين للشيخ الأميني بالنجف الأشرف تحت رقم(الرئيس3و13/1/11), وربّما محمّد هذا هو أخو الورّاق علي أصغر ابن الكربلائيّ, وأيضًا الورّاق أحمد بن إبراهيم المظفريّ أصلًا الحائريّ مسكنًا, نسخ كتاب((أبطال الزمان المهموم) لمحمّد بن حسين خواجوئيّ(ت1173هـ) وتاريخ نسخ هذا الكتاب كان في 9 ربيع الأوّل سنة1176هـ, والنسخة محفوظة في قم, مكتبة الكلبايكانيّ تحت رقم(4/8241-91/56).

وقد أُطلق على ممتهني الوِراقة في كربلاء  في القرن الثاني عشر وما تلاه من سني الهجرة نعت الكُتُبي - علمًا أنَّه كان في بغداد أسبق بزمن– وبرزت منهم عائلة الشيخ علي المعروف بالشيخ الرئيس الخراسانيّ الحائريّ, وله دكان للوِراقة وبيع الكتب, ولم نقف على تاريخ وفاته, ثمّ جاء من بعده حفيده في بيع الكتب ولقب بالكُتبي أيضًا, ذكرهم الشيخ أغا بزرك الطهرانيّ عندما تحدّث عن كتاب (أم الكتب) للسيّد مهدي بن مرتضى بن أحمد بن الحسين بن مير سامع بن غياث الدين الطباطبائيّ الزواريّ الحائريّ نزيل مشهد(ت1346هـ) ألّفه سنة(1307هـ) فقال: ((رأيتُ في خزانة كتب السيّد محمّد علي هبة الدين الشهرستانيّ نسخةً منه وعليها تقريظ الحاج الشيخ زين العابدين المازندرانيّ الحائريّ, وكُتبت هذه النسخة بخط الشيخ علي المعروف بالشيخ الرئيس الخراسانيّ الحائريّ جد الشيخ مهدي الكُتبيّ بكربلاء المعروف اليوم بالشيخ مهدي الرئيس)).

       ومنهم أيضًا عبد الحميد الكُتبيّ, ذكره أغا بزرك عند حديثه عن كتاب(تحفة الغرائب) الذي كان من انتخاب محمّد ابن الشيخ محمّد الهرويّ, وذكره أيضًا عند تعريفه بكتاب(أعلام الورى) للسيّد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس(ت664هـ), وهؤلاء الكتبيّون من أعلام ورّاقي القرن الرابع عشر للهجرة, كانت لهم دكاكين لبيع الكتب في كربلاء.

       وما أتينا به يظهر اشتغال الكربلائيّين بصنعة الوِراقة, التي استمرت حتى أفول نجمِها بعد أنْ ظهرت المطابع الحديثة, وما نريد أن نضيفه: إنَّ كُتبيي كربلاء وورّاقيها برعوا أيضًا بفنِّ الزخرفة والتذهيب, ففي مكتبة الحكيم العامّة مخطوطة للمصحف الشريف مذهَّبة, إذ زُخرفت ورقاته بورق الذهب بعد خطِّه, وكانت بخط وصنعة الورّاق عبد الله الحسينيّ الكربلائيّ, حفظت تحت رقم3007 وتسلسل4761, وأخرى للصحيفة السجاديّة كُتبت بخط جميل, كانت للورّاق محمّد بن مصرعي, وتاريخ نسخها يعود لسنة1042هـ حفظت في مكتبة الحكيم العامّة تحت رقم(2207 وتسلسل2370) ومخطوطات أخرى حصلنا على صورها وأسماء ورّاقيها.

       ويفهم من إشارات الشيخ أغا بزرك أنَّ دكاكين الورّاقين أو الكُتبيّين كما سمّاهم هو كانت تقع قرب ضريح الإمام الحسين-عليه السلام- حيث انتشار المدارس العلميّة وحلقات الدرس, ولم ينتظموا بسوقٍ خاص بهم, وبعض الناسخين اتخذوا من أروقة الصحن الشريف مكانًا لنسخ الكتب، وغالبًا ماقام بذلك الفقهاء وطلبة العلم آنذاك.

منبع

 

 

کد امنیتی
تازه کردن

آمار بازدیدکنندگان

مهمانان :

67 

امروز :
دیروز :
این هفته :
این ماه :
بازدید کل :
917
2511
10113
5882
16804734